المسئولية المجتمعية للشركات: كيف تتحول لأداة تسويقية فعالة
في هذه المقالة سوف نتحدث سريعا عن المسئولية المجتمعية للشركات – CSR ، وكيف تستغلها الشركات والبراندات العالمية في حملاتها الترويجية والاعلانية.
تتبرع لمؤسسة خيرية أم تقوم بحملة إعلانية؟
شاهد هذا الفيديو لشركة كادبوري!
تاريخ المسؤولية المجتمعية للشركات
خلال فترة الخمسينيات ظهر مصطلح الخدمة المجتمعية للشركات CSR على يد الاقتصادي الأمريكي هاورد بوين Howard Bowen في كتابه Social Responsibilities of the Businessman.
ثم في بداية السبعينيات إلى منتصف فترة التسعينيات مر مبدأ الخدمة المجتمعية للشركات بعدة تطورات عن طريق مؤسسات حكومية مختلفة منها هيئة التطوير الاقتصادي في الولايات المتحدة Committee for Economic Development واجتماع قمة الأرض Earth Summit في مدينة ريو دي جينيرو بالبرازيل.
كل ذلك كان فقط البداية لربط الخدمة المجتمعية بإتاحة الحكومات لإمكانية وجود الشركات في أي بلد حيث تم وضع المسئولية المجتمعية كشرط لاستمرار الشركات لتصبح جزءا من مخططات الحكومات لإقامة تنمية مستدامة في بلادها.
ولكن ذلك يبدو كعبء أضيف على الشركات، ولكن خلال العقدين الماضيين تطور استخدام المسؤولية المجتمعية لتكون أداة تسويقية فعالة.
صحيح أنها قد لا تكون من الأدوات قصيرة المدى ذات التأثير اللحظي، لكن الأكيد أنها من الأدوات طويلة المدى التي أثبت نتيجة فاعليتها.
أمثلة لتطور فكرة استخدام المسؤولية المجتمعية من مجرد تنمية مستدامة إلى أداة تسويقية
1- إذا كنت من متابعي أفكار التسويق الفيروسي Viral Marketing التي تكون من أجل قضية مجتمعية ما، غالبا قد تكون رأيت هذا الإعلان من قبل:

هذه حملة دعائية خاصة بمؤسسة WWF تحت اسم “Save Paper, Save the Planet” من أجل التقليل من استهلاك المناشف الورقية التي يتم صنعها من أشجار الغابات المطيرة الموجودة في أمريكا اللاتينية في أبريل 2017.
أما إن كنت من عملاء بنك قطر الأهلي فغالبا ما صادفتك هذه الرسالة في أثناء استخدام ماكينة السحب الفوري.

بدأ ظهور هذه الرسالة منذ سنة تقريبا وتأثيرها كان واضحا، إذ أصبحت سلال المهملات الملحقة بماكينات السحب فارغة نسبيا مقابلةً بالفترة قبل إستخدام هذه الرسالة.
3- وإن كنت متابعا للحملات التسويقية للشركات مؤخراً فيجب أن تكون شاهدت الصورة التالية:

تدعم شركة كادبوري مؤسسة Age UK المسؤولة عن رعاية كبار السن، حيث قامت المؤسسة بإحصائية أثبتت أن 1.4 مليون من كبار السن يعانون من الوحدة وأن 225,000 غالبا ما يمر بهم أسبوع كامل دون أن يتواصلوا كلاميا مع أي شخص آخر.
دعما من شركة كادبوري قررت إزالة الكلام المطبوع على منتجاتها لفترة محدودة على أن يتم التبرع بـ 30 قرش من ثمن كل وحدة من هذه المنتجات.
4- أما إن كنت من محبي مطاعم الأكل السريع بالدقي في الجيزة – مصر تحديدا، فلابد من معرفتك بمطعم يسمى “كبدة وشاورما”:

تم إفتتاح المطعم في 2017 والإعلان عنه في حملة تضمنت طعام مجاني تماما لأي محتاج خلال فترة محددة أثناء اليوم.هذه كانت أمثلة متنوعة عن تطور استخدام مبدأ المسؤولية المجتمعية CSR) Corporate Social Responsibility) للشركات كأداة تسويقية.
إذا تحول المستهلك من الحاجة لشراء منتج نتيجة الاحتياج له إلى الرغبة في شراء القيم والمشاعر، فتنتج هذه الأداة تأثير نفسي عند المستهلك، فالسوق الآن أصبح مليء بالمنتجات، إذ تحول التصنيع من إنتاج منتج يلبي الغرض المراد منه إلى تصنيع عدة أشكال من نفس المنتج لتلبي الأفكار والمشاعر المتعددة التي أصبح المستهلك يتوقعها وجودها في كل إصدار جديد، فستصبح المقارنة فكرية وشعورية أكثر منها مقارنة وظيفية تعتمد على مدى إتمام المنتج للغرض المصنوع لأجله.
كما أن إتاحة تنوع كبير في الاختيارات للمستهلك لنفس المنتج جعل قرار اختياره لا يتوقف عند فقط الحاجة له ولكن زاد عليه رغبته في الشعور بشعور جيد يضيفه لصورته عن نفسه كفرد، فلم يعد القرار فقط مبني على الاحتياج ولكن أصبح مبني أيضا على الرغبة، فعند نجاح الشركة في ربط المنتج بشئ أكبر من مجرد شراء لمنتج، تصبح عملية اتخاذ قرار الشراء عند المستهلك أسرع وأسهل، وكل ذلك يضيف لحجم هوية الشركة لدى المستهلك!
التسويق الأخضر
يعتبر التسويق الأخضر من أهم الأمثلة والتطبيقات العملية على فكرة ومبدأ المسئولية المجتمعية للشركات.
من أجدد الألفاظ التى نسمعها الآن فى مجال التسويق، وخصوصاً على الصعيد الأكاديمي وتنشر فيها الأبحاث، وكأنها موضة هذا القرن، التسويق الأخضر.
ولا أعتقد شخصياً أنها التسمية المناسبة لهذا النوع من التسويق فللأسف نحن فى الوطن العربى، نظراً لأننا نعتبر التسويق وكأنه علم دخيل عليا، نأخذ الألفاظ ونترجمها حرفياً.
التسويق النظيف أو التسويق البيئى، أو كما يطلق عليه الكثير التسويق الأخضر، يهتم بكل خطوة تمهد لتوصيل منتج بيئي نظيف خالى من التلوث أو الخداع أو غش الناس.
التسويق الأخضر مصطلح بدأت الدعوة له من ثمانيات القرن الماضى، وكان هدفه أن يتحول التسويق من علم للربح والحصول على ما في جيوب المستهلكين إلى علم يساعد الناس في اتخاذ قرارات شرائية قائمة على رسالة تسويقية عادلة وبعيدة كل البعد عن الاستغلال.
التسويق الحديث الذي تطالب به الجهات (الخضراء) فى العالم يرتكز على 3 أسس رئيسية أو 3 Ps:
- يأتي في مقدمة هذه الأسس البيئة (Planet) : ويقول مؤيدى هذا النوع من التسويق أن الكوكب هو الأولوية التي يجب أن يركز عليها المسوقون، فيجب عليهم أن ينتجوا ويسوقوا منتجات نظيفة لا تلوث البيئة.
- ثم يأتى بعد البيئة الناس أنفسهم (People) : وهما العنصر الأهم فى العملية التسويقية، حيث يجب أن يكون المسوق أمين لأعلى درجة فى إيصال رسالته التسويقية، ويبعدها كل البعد عن المغالاة والخداع، وأن يضع فى أولوياته أن يعمل لصالح المستهلك وليس ضده أو من أجل الحصول على ماله.
- وأخيراً يأتي دور الربح (Profit) : وهي الحلقة الأخيرة التي ستجذب انتباه المسوقين بعد حفاظهم على البيئة ومراعاتهم للناس والعمل لصالحهم.
يرى المسوقون إلى يومنا هذا الكلام نظري وبعيد عن التطبيق، أو على الأقل يسقطوا أساسياته من حساباتهم، ولكن لن يستمر هذا الأمر طويلاً على ما أعتقد مع انتشار المنظمات التي تعنى بالمستهلك والبيئة وحقوقهم، وأيضاً منظمات الجودة التى تستطيع بشهادات الجودة المعترف بها عالمياً أن ترفع أسهم الشركات بشكل كبير فى السوق.
كما أن كثير أيضاً من الشركات بدأت فى اللعب على فكرة التسويق الأخضر من زاوية أخرى، وهي ببساطة ترى أن التسويق الأخضر ميزة تنافسية جديدة تستطيع استغلالها في وقت ندرت فيه الميزات التنافسية الواضحة لدى الشركات.
أصبحنا نرى الشركات تنتج منتجات صديقة للبيئة، ربما تكون صحية أكثر، أو لا تبعث بمواد ضارة على البيئة، وتستخدم في سبيل إيصالها طرق نظيفة فى التسويق، و تعامل من خلالها العملاء على أنهم المحرك الرئيسى لها وليس الربح.
هذا الشركات هى الأخرى تقابل تحدى كبير عند إنتاجها هذه المنتجات، فالمشترون يعانون من ارتفاع أسعار هذه المنتجات صديقة البيئة، وفى الوقت ذاته يرون أن كفاءتها لا تساوى كفاءة المنتجات التى تعودوا عليها، وفى الحقيقة يشتري كثير من الناس هذه المنتجات صديقة البيئة أحياناً لشعورهم بالمسؤولية الاجتماعية وأحياناً لإعتقادهم أنها صحية أكثر حتى لو جاء ذلك على حساب الكفاءة التي تعودوا عليها.
وفى المقابل يعكف المسوقون على تقليل هذه الفجوة بإيجاد طرق جديدة لتقليل تكلفة هذه المنتجات، وهم يبررون مؤقتاً الأسعار العالية لهذه المنتجات لمجهوداتهم وتكلفتهم العالية فى سبيل الحصول عليها نظيفة، مثل أن يزرعوا منتج معين تحت ظروف بيئية طبيعية بعيدة عن المبيدات والمؤكسدات وغيرها.
التسويق الأخضر كان البداية فقط، فنجد أبناءه من منتج أخضر، ومستهلك أخضر، … الخ، وكلها مسميات خضراء تؤدى إلى نفس النطاق النظيف للتسويق.
فى النهاية إذا استمرت هذه المجهودات لنشر ثقافة المنتج الأخضر (وفى اعتقادى ستستمر)، فسنجد قريباً تطور فى شكل وطريقة تسويق المنتجات بشكل يخدم كل الأطراف فى عملية التسويق، بما فى ذلك المسوق نفسه.
وإلى ذلك الحين أفضّل تسمية التسويق الأخضر… التسويق النظيف أو التسويق البيئي!
أمثلة أخرى على استخدام التنمية المجتمعية كأداة تسويقية
شركة كروجر Kroger هي من إحدى الشركات الأمريكية التي استطاعت بناء صورتها الذهنية من خلال استخدام الخدمة المجتمعية والتنمية المستدامة.
كما تقول الشركة:
“في Kroger نحن نغير الطريقة التي يأكل بها الأمريكيين, فنحن نقوم بتغذية المجتمع ونحمي الكوكب ونعمل على تكوين مستقبل لا يوجد به جوعى”.
الآن أصبحت ليست مجرد شركة تعرض خدماتها للمستهلك ولكنها تشارك المستهلك في رغبته في الحفاظ على الكوكب وفي إيجاد المساهمة في حل مشكلة المجاعة من خلال إتمام عمليات الشراء من خلاله.
حيث وجدت بعض الإحصائيات تظهر أن 87% من المستهلكين يفضلون شراء المنتجات من الشركات التي تدعم القضايا المجتمعية التي يهتمون بها.
ستاربكس Starbucks في 2018 بدأت حملات التوعية ضد استخدام البلاستيك للحفاظ على البيئة والذي جعل من ستاربكس إصدار بيان بأنه بحلول 2020 سيتم التخلص نهائيا من استخدام الماصات البلاستيكية من كل فروعها الـ 28,000 حول العالم.
القيمة من ذلك:
التنمية المجتمعية ليست عصا سحرية تسويقية ولا يشترط نجاحها كأداة تسويقية في كل المجالات.
عند إستخدام الخدمة المجتمعية يجب أن تكون كجزء من الإستراتيجية التسويقية للشركة بوجه عام ويقع عاتق كيفية استخدامها على فريق التسويق في كيفية جعلها أداة تساعد في بناء الصورة الذهنية عند المستهلكين، وكما يقال:
Doing good is good for business!
باستخدام المواد الترويجية يزيد من المبيعات
نعم، أعتقد أيضًا أن المسؤولية الاجتماعية للشركات فعالة جدًا في بناء الثقة العامة.