الاستراتيجية والتخطيط

البحث التسويق: ما هو وما هي طرقه وأساليبه؟

عملت بعد تخرجي بفترة بسيطة فى مهمة لها علاقة بالبحوث التسويقية، وكانت الأمور تسير بملل شديد، كنت أفرّغ نتائج استبيانات تجريها دار نشر كبرى على قرائها، والآن برنامج الكترونى يستطيع أن يفعل دورى.

مع دراستى للتسويق وتعمقى فيه وجدت أنك عندما تكون داخل هذا المطبخ التسويقى، اى انك مثلاً تفرغ بيانات ونتائج استقصاءات يكون الامر ممل، ولكن عندما تراه من الخارج، وتبدأ فى تحليل النتائج تشعر بنشوة تسويقية مذهلة، لانك تعلم انك تعلم مالا يعلمه الكثير، وأنك غالباً سوف تسير على الطريق الصحيح.

دور باحث التسويق

قبل ان اريك رأيى فى جزء بحوث التسويق، يجب فقط ان تعرف ان هناك مظلة اكبر اسمها بحث السوق، ويقع تحتها إدارات مثل البحث والتطوير، والاستخبارات التسويقية، نظم إدارة البيانات.. الخ. من ضمن هذه القطاعات او الادارات التي تكمن تحت مظلة بحث السوق هو البحث التسويقي.

للتعرف أكثر على الفرق بين بحث السوق والبحث التسويقي .. راجع هذه التدوينة.

المهم الآن أريدك أن تعرف أن بحث التسويق هو الجندى المجهول للتسويق، سأخبرك بقصة!

كنت فى مقابلة عمل مع مؤسس لمركز تدريب، وطلب منى ان اكون متخصص التسويق للمكان، هذا المدير حتى الآن احترم خبرته جداً وهو من اذكى من قابلت، وهو بالمناسبة مدير (مصرى) فى مايكروسوفت فى بريطانيا، ولك ان تتخيل خبرته وقوته فى المجال.

عموماً طلبت منه قبل البدء فى أى شئ ان نجرى بحث تسويقى لاعرف ماهي الكورسات المطلوبة فى السوق. قال لى انه لا يملك رفاهية – Luxury هذا الأمر، هو اتفق على البرامج وانتهى الأمر!

لا تستغرب من ردة فعل هذا الخبير، فمثله الكثير، وبالطبع اثبتت الايام وجهة نظرى، وهو عانى بشدة مع هذه البرامج الجاهزة، ولم يستطيع ان يحقق مبيعات جيدة، الأمر بسيط، لقد أهمل أول خطوة على طريق النجاح.

ما هي شخصية باحث التسويق؟

طبيعة الشخص التسويقى أنه هادئ صبور، محب للتحليل والتدقيق.

الأبحاث التسويقية هى شئ لن تفهمه إذا لم تمتلك الصبر، واذا فهمته لن تستطيع العمل به، الصبر هو المفتاح، لان الشركات الكبرى تصبر على بحوثها التسويقية ربما سنين، وفى النهاية ربما تكون النتيجة عدم دخول السوق!

%D8%B4%D8%AE%D8%B5%D9%8A%D8%A9%2B%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%AB%2B%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B3%D9%88%D9%8A%D9%82
بالنسبة للمهارات الفنية لمن يعمل فى بحوث التسويق، فهناك شقين للبحوث التسويقية، اولها شق يتعلق بالارقام وتحليلها، مثلاً كيف تحدد العينة، وطريقة حسابها وتحليل النتائج، والأفراد الخريجّين من كليات وأقسام الإحصاء يعملون فى هذا الجزء من التسويق.

هناك شق آخر من الأمر، وهو التخطيط للخطة البحثية، وتحليل النتائج فى منظور تسويقى، وهذا الشق الكيفي يعمل فيه اى خبير في التسويق طالما فهم أهمية البحث التسويقى، وحدد نتائجه بدقة.

بما ان البحث التسويقى هو الجندى المجهول كما أخبرتك من قبل، فكثير جداً، إن لم يكن أغلب الشركات لا يهتم به، لأنك كما تعلم التسويق عموماً مازال غريب علينا كعرب، وعلى الرغم من ذلك بدأت تنتشر وكالات ومكاتب البحوث التسويقية.

فقط معلومة على الهامش وهي ان اكثر من يملك مكاتب الأبحاث التسويقية هم أساتذة ودكاترة الجامعات، لأننا فى الجامعة كنا نسير على خطا محددة لكى تكمل بحثك العلمى، افتراضات ثم اختيار عينة، وتكوين استقصاءات، ثم اختبار العينة وتحليل النتائج.

هل يشبه الامر شئ تعرفه؟ نعم انها تقريباً نفس خطوات البحث التسويقي، وبالتالى فمن هو خبير بالبحوث العلمية خاصة بحوث الدكتوراه والماجستير سوف يكون مؤهل غالباً لبحوث التسويق، وهذا يعطيك التفسير.

أهمية البحث التسويقي

تعتبر خطوة البحث التسويقى أهم الخطوات على الإطلاق فى حياة العملية التسويقية، وهى المحدد الرئيسى لنجاح المنظمة ونجاح منتجاتها وخدماتها.

يقودنا إلى هذا الاستنتاج مقدمات أولها إدراك أن التسويق هو علم من علوم الإدارة، والإدارة علم قائم على المعلومات، ولكى تنجح فى الإدارة فإنك تحتاج إلى معلومة محددة، متعلقة بهدفك، فى الوقت المناسب، تستطيع من خلالها اتخاذ قرار صحيح مبني على ضوء تلك المعلومات.

success-failure-sign

لا يختلف التسويق كثيراً إذاً، فلكى تتميز فى السوق عليك أن تحيط نفسك بجبال من المعلومات التي ستعطيك المؤشر لبدأ نشر المنتج، والدعاية له، أو إيقاف حملتك التسويقية و معالجة بعض الأخطاء، أو تعديل قنوات التوزيع حتى تناسب الطلب المتوقع..، ولذلك ليس غريباً إدارك أن البحث التسويقى هو الذى يصنع للشركات الملايين والبلايين، أو يحملّها الملايين والبلايين سُدى.

سبب وجيه ومنطقي يجعلك تفكر فى أهمية البحث التسويقى، وهو التفكير بعمق فى التسويق اليوم، القائم على فكرة العميل واحتياجاته، وإذا كنّا فى الماضى نبدأ أنشطة تجارية تعتمد على رغباتنا وامكانياتنا، فالآن أصبح الأمر أكثر تعقيداً، حيث أننا نبدأ تلك الأنشطة التجارية التى تلبى رغبات المستهلكين واحتياجاتهم فى المقام الأول.

إذا كنا نقوم بتسعير المنتجات حسب رؤيتنا الشخصية، وحسب ما تمليه علينا رغباتنا فى هامش ربح محدد، فالآن نضطر إلى تقديم سعر يضغط على المنافسين، ويناسب العملاء.

فى عالم التسويق اليوم لن نبحث عن قنوات التوزيع التقليدية فندفع فيها المنتج حيث يصل إلى العميل، بل إننا نبحث أين هو العميل، وما هو المكان والزمان الذى يناسبه حتى يصل إلى المنتج بكل سهولة وسرعة.

مع هذه الاختلافات بين التسويق التقليدي والتسويق في عالم اليوم، يصبح البحث التسويقى هو الأداة الفعالة والتى يراهن عليها خبراء التسويق.

الآن لم يعد قسم البحث و التطوير شئ من قبيل الرفاهية أو التفكير الاستراتيجى للشركات، ولم يعد البحث التسويقى هذا الأمر الذي ممكن أن ينجزه مجموعة من الموظفين، هذا لأن السوق اليوم أكبر جداً من السوق فى أى وقت مضى، وهل تستطيع شركة اليوم فى الولايات المتحدة إنتاج منتج جديد بدون البحث فى إمكانيات الشركات اليابانية والصينية لإنتاج هذا المنتج، ودفعه فى السوق الأمريكى؟

أثبت التاريخ القريب لنا أن عدم تنفيذ بحث تسويقى قوى، شامل، ومتقن هو أحد الأسباب، وأحياناً يكون السبب الرئيسى فى إهدار وقت وجهد وأموال طائلة للشركات، و دعونا نضرب المثال ببعض المواقف المستفاد منها لشركات كبرى عالمية.

من ضمن أشهر الأمثلة شركة (شيفروليه)، تلك الشركة الأمريكية التي أنتجت السيارة (نوفا) وحققت مبيعات هائلة فى السوق الأمريكى، و كان الحق المشروع للجيش التسويقى فى الشركة أن ينتقل إلى مرحلة أبعد وهى التوغل فى أسواق عالمية جديدة، وكان من تلك الأسواق .. المكسيك.

بعد دفع المنتج فى السوق، تفاجأت أقسام المبيعات والتسويق بركود وضعف شديد فى المبيعات، وبعد ضرب الأخماس في الأسداس، وتخمين الأسباب وراء هذا الفشل الذريع، توصل الباحثين فى الشركة عن سبب الفشل، وهو أن نوفا (NOVA) تعني بالاسبانية (اللغة السائدة فى المكسيك)لا يمشى أو شئ من هذا القبيل (NO GO)، وبالطبع لم يكن المكسيكيون على استعداد لتقبل تلك المغامرة بشراء سيارة لا تسير!!

مثال آخر كان لشركة (جيربر – Gerber) ، تلك الشركة التي تصنع منتجات غذائية للأطفال في الولايات المتحدة، وقد حاولت التوغل فى السوق الأفريقى، مع الاعتماد على نفس شكل المنتج وتغليفه المعتمد فى الديار، وكانت النتيجة أيضاً مبيعات ضعيفة وإحجام المستهلكين عن الشراء، ومع البحث توصلت الشركة للسبب.

كانت الشركة تستخدم صور الأطفال فى تغليف المنتج، كإشارة إلى أن المنتج يخص الأطفال، فى حين جرت العادة فى البلاد الأفريقية على أن الصورة المرسومة على غلاف المنتج هي ما يحتويه المنتج، ولم يكن لدى هؤلاء الأفريقيين (الإنسانيين) الرغبة الشديدة فى أن يأكلوا الأطفال!!

بالطبع توجد العشرات بل المئات من القصص الشهيرة التي تحكي فشل لشركات لم تتعمق في دراسة وتجربة السوق قبل خوض التجربة التسويقية، وإن سردت هنا هاذين المثالين، فذلك لأنهم خرجوا من تحت سقف شركتين من أكبر الشركات في العالم، وأكثرهم دراية بأهمية البحوث التسويقية، فما بالنا بالشركات المحلية التي مازالت ترى التسويق مجرد إعلان فى جريدة؟؟

طرق البحث التسويقي الشهيرة

بعد إدراكنا لأهمية البحث التسويقى، وذكر بعض الأخطاء الفادحة التى وقعت فيها الشركات العالمية عندما استهانت بالبحث التسويقى، وبعد معرفة أن البحث التسويقى يشكل الخطوة الأولى وربما الأهم فى دورة حياة العملية التسويقية (أراك اقتنعت الآن).. نريد الآن أن نتعلم كيف تتخذ الشركات والمنظمات فى أى مكان فى العالم ثلاثة اتجاهات عندما تقرر إجراء بحث تسويقى ، وهم كالآتى:

obversion
  • الملاحظة (Observational research): والملاحظة هى الأداة البدائية التى يتبعها ربما الفرد العادي إذا تعرض لمشكلة (هل ذكرت هنا كلمة مشكلة؟؟)…

إذاً طريقة الملاحظة فى البحث التسويقى يكون هدفها في الغالب هو كشف المشاكل والتغلب عليها (exploratory research)، وذلك بملاحظة الأشخاص، المواقف، والأفعال.

من يستخدم الملاحظة فى البحث التسويقي؟؟

إذا كنت ذكرت أن الملاحظة هى الطريقة البدائية للشركات والأفراد فى بحوثهم التسويقية، فهى أيضاً تصل إلى درجة كونها طريقة الخبراء، وأحياناً تكون الطريقة الوحيدة الممكنة للتغلب على مشاكل الطرق الأخرى فى البحث التسويقي.

إذا أرادت شركة تقديم منتج للأطفال، واردات كشف سلوكهم ورغباتهم ودرجة استجابتهم للمنتج الجديد قبل إنتاجه أو طرحه فى الأسواق، لن يكون فى مقدور الشركة إعداد قوائم الاستبيان والنزول لسؤال الأطفال والحصول منهم على الإجابات (ولو أن أطفال اليوم يختلفون معى فى هذا المثال!)، ولكن تصبح الطريقة المثلى هى ملاحظة سلوك الأطفال، واستجابتهم للمنتجات الموجه لهم فى السوق، وإلى أى نوعية من المنتجات يتركز اهتمامهم.

من هنا جائت فكرة خبراء التسويق فى تطوير اتجاه الملاحظة فى البحث التسويقى إلى نوعية من البحوث المتعمقة والمدروسة من أجل كشف خصائص الأفراد واتجاهاتهم وميولهم فى الثقافات المختلفة (Ethnographic research)، وتبدأ أولى خطوات هذا البحث بتدريب مجموعة من المتخصصين وإرسالهم إلى أماكن تواجد العملاء المستهدفين، للتفاعل معهم و دراسة سلوكياتهم، والتعرف على خصائصهم بدقة من أجل كشف المشكلات التى تواجههم، والحاجات والرغبات التي يميلون إلى إشباعها، وبالتالي تطوير منتجات تناسب هذه الرغبات والاحتياجات.

ربما تظهر نقطة ضعف هذه الطريقة فى البحث فى حالات لا يستطيع المسوق ملاحظتها بدقة، مثل شعور الناس ورغباتهم الداخلية، أو عندما لا يكفى مراقبة سلوكهم الخارجى للتعبير عن حاجتهم الحقيقية ورغباتهم، وعندما أيضاً يتعلق الأمر بسلوك العميل طويل المدى الذى لن يظهر هو أو آثاره الآن حتى يمكن ملاحظتها.

  • طريقة المسح (Survey research): وهي الطريقة الأساسية للحصول على بيانات من السوق والعملاء، وتكون بتشكيل مجموعة من الأسئلة الموجهة إلى الأفراد لمعرفة سلوكهم، تفضيلاتهم، اتجاهاتهم، رغباتهم وميولهم، وبذلك نكتشف أن هدف هذا النوع من البحث هو الحصول على معلومات توصيفية (Descriptive research) للسوق والأفراد فيه.market research methods1

أكبر ميزة فى هذا النوع من البحث هى المرونة، حيث يمكنك الحصول على أكبر قدر من المعلومات في مواقف مختلفة ومتنوعة.

مازالت هذه الطريقة فى البحث تعانى من بعض العيوب أهمها عدم رغبة كثير من المستقصى منهم فى الإفصاح عن معلومات خاصة وشخصية.

أضف إلى ذلك تواجد بعض (أحياناً كثير) من النوعية التى لا تحبذ كلمة (لا أعرف)، فهي ستعطيك إجابة مهما بدت الأمور بالنسبة لهم غامضة حتى يبدو فى صورة الأذكياء الذين يجيبون على كل الأسئلة!

وأحياناً يوجد ذلك الشخص الذى يعطيك الإجابة التى تسعدك (حتى يشعرك أن الدنيا بأمان)، وبالتالى هذه النوعية من الأشخاص لا تحصل منهم على إجابات منطقية وموضوعية فى أغلب الأحيان.

وأضف إلى ذلك أيضاً إنشغال كثير من الأفراد المستقصى منهم (وأحياناً التظاهر بذلك!)، من أجل عدم الاستجابة للاستقصاء.

مشكلة أخرى فى هذا النوع من الاستقصاءات وهى تغير أمزجة الأفراد، فمن الصعوبة أن تجد إجابات موحدة لنفس الفرد فى فترتين مختلفتين، و هذا الأمر كلف شركات كبرى الكثير، وكانت أولهم شركة (كوكا كولا)، التى كانت تطبق طريقة المسح، واكتشفت رغبة المشترين لمنتجاتها فى مذاق كوكا جديد ومختلف، وعندما طورت الشركة هذا المذاق الجديد والمختلف، كان رد فعل المستهلكين في السوق (نفس المستقصى منهم) ضعيف وسلبي تجاه المنتج الجديد.

  • طريقة الاختبار(Experimental research): وفيها يختبر الباحثون المنتج الجديد أو التعديلات فيه قبل طرحه فى الأسواق ووصوله إلى العميل، وبذلك يكون هدفه الأساسى الحصول على المعلومات السببية (Causal research)، أى معرفة العلاقة بين الحالة ونتائجها.

يتم ذلك البحث باختبار مجموعات وعينات متشابهة ومعالجتهم بطرق مختلفة مع التحكم فى العوامل الغير مرتبطة بالاختبار (ماذا قلت الآن؟!)

افترض: أن مطعمك العالمى سينتج نوع جديد من الأطباق، قم باختبار نفس المنتج الجديد فى محافظتين أو بلدين متشابهين فى الظروف لكن بسعرين مختلفين، مع التحكم فى باقى العوامل الأخرى، مثل عدم الدعاية لهذا المنتج الجديد (حتى لا تؤثر الدعاية في الاختبار)، ثم راقب المبيعات فى كلاً من البلدين، ومن ثمّ يمكنك أن تختار السعر المناسب لعملائك.

مقالات ذات صلة

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى