أسرار التوزيع - 1 : أهمية التوزيع للشركات

2
لا يدرك الكثير جداً من الناس أهمية التوزيع - Placement بالنسبة للشركات ونجاحها فى السوق، الا عندما يتعمقون فى التسويق وقصص النجاح للشركات العملاقة، او حتى عند دخولهم للعمل فعلياً بشركات تركز بشكل اساسى على التوزيع.

هل أنت مقتنع بانه لا يوجد فى العالم شركات استطاعت اخراج مشروبات غازية تنافس شركات بيبسى او كوكا كولا؟! هل تدرك ان بإمكان الكثير تقطيع بطاطس ووضعها فى اكياس، وسيكون مذاقها افضل من منتجات الشركات قائدة هذا السوق؟ ماهو سر قيادة أسواق المنتجات الغذائية والاستهلاكية عموماً.. الجواب فى كلمة واحدة التوزيع.

أجمل شئ فى التوزيع انه يريك حروب شرسة لا ترحم بين الشركات. كل الشركات فى هذه الاسواق تحاول ان تسيطر على اقصى ما تستطيع من منافذ التوزيع. على الرغم من متعة الامر عندما تقرأ عنه او تجد احدهم يحكى لك عنّه باستمتاع شديد، فإن الامر على ارض الواقع صعب للغاية، ولا تنجح فيه الا الشركات القوية شديدة الابداع والمرونة، و التى لديها فى نفس الوقت بعد نظر وخبرة استراتيجية.

فى هذه السلسلة سأركز على قطاع المنتجات سريعة الاستهلاك – FMCG، و السبب هو ان هذه النوعية من الشركات هى التى تحتاج بشدة لعنصر التوزيع، وتجد لديها التوزيع يأخذ النصيب الاكبر (مشاركة غالباً مع الدعاية) فى المزيج التسويقى.

·         شركات المنتجات سريعة الاستهلاك هى التى تنتج منتجات يحتاجها المشترون بكثرة، واستهلاكهم لها مكثف، مثل المنتجات الغذائية والأدوية ومساحيق التنظيف.

سأثبت لك سريعاً كيف ان التوزيع من اهم العناصر بالنسبة لهذه الشركات..ان لم يكن الاهم.

افترض ان هناك شركة استطاعت انتاج افضل منتج تنظيف فى العالم، وسعره كان فى متناول الشريحة المستهدفة، وطورت حملة اعلانية خرافية اشرف عليها اوجيلفى او ريفز او غيرهم من عمالقة الاعلان..  ثم نزل الناس ليشتروا المنتج فلم يجدوه، سألوا مرة واتثين وثلاثة عنه، وكانت النتيجة سلبية. هل تتوقع ان يسألوا عنّه مرة اخرى؟ الاحصائيات تقول ان المشترى فى المتوسط يسأل 3 مرات ثم يتوقف عن السؤال عن المنتج. اذاً خسرت الشركة بجدارة على الرغم من لديها مزيج تسويقى رائع، لا ينقصه سوى التوزيع!




 

هل ترى الملايين التى تصرفها كلاً من بيبسى وكوكا كولا على الاعلانات؟ وهل تعرف ان كليهما لديهم علامات تجارية من اقوى العلامات التجارية فى التاريخ؟؟ وعلى الرغم من ذلك اغلب الناس يدخلون المحلات والاسواق التجارية للحصول على منتج يروى عطشهم، فيكون الفيصل هو اى المنتجات متاح امامه! انه عامل ليس له علاقة بحب هذا او ذلك. إنه التوزيع.

لماذا تعتمد الشركة على منافذ البيع والتوزيع؟

ما رأيك فى ان تعتمد الشركات على نفسها، وبدلاً من الاعتماد على المعارض التجارية والاسواق الصغيرة والكبيرة الاستهلاكية، تستطيع الشركة بنفسها النزول من خلال منافذ واكشاك توزيع تتبع الشركة لتبيع من خلالها.. وبذلك تطبق التسويق المباشر، وتستفيد هى من الارباح كاملة بدون ان يشاركها فيها قنوات البيع والتوزيع الوسيطة؟

هناك اسباب كثيرة جداً تجعل الشركات تعتمد على شركائها من الموزعين. واول هذه الاسباب خبرة منفذ التوزيع فى البيع – Selling.

منافذ البيع يكون هدفها البيع، وهم حصلوا على خبرة كافية فى كيفية التعامل مع كل انواع المشترين، ويستطيعوا اقناعهم بالمنتج. وهذا ليس تخصص الشركة، فشركة بيبسى لن يكون عندها بائعين بخبرة هؤلاء اصحاب منافذ البيع والعاملين فيها. انهم قادرين على ادارة العلاقة مع المشترى، ومحاولة ارضاءه بشتى الطرق، وهو عبأ تم ازاحته عن عاتق الشركات، ويقوم به منفذ البيع بكفاءة وخبرة تسويقية كبيرة.

هذه النقطة مهمة جداً، ومن نتائجها ان منفذ التوزيع يستطيع القيام بعنصر ترويجي اخر بمنتهى الكفاءة، وهو عروض البيع الترويجية – Sales Promotions .

دعنا نفترض ان كارفور – Carrefour، او وول مارت - Wal-Mart سيطوروا بعض العروض الترويجية الخاصة بمنتج جديد لشركة كرافت فودز – Craft، بالتنسيق مع الشركة. هل تعلم ما سر نجاح هذه العروض الترويجى اياً كان؟ انه يكمن فى خبرة كبيرة للسوق التجاري فى التعامل والبيع للمشترين، انه اصبح يعلم احتياجاتهم الشرائية جيداً ويعلم اى العروض والتخفيضات والهدايا التى ستجذبهم، وبالتالى تستطيع هذه الاسواق العملاقة تطوير عروض بيع ناجحة للغاية من خلال خبرتهم البيعية التسويقية، وبشكل لن تستطيع القيام به الشركة صاحبة المنتج.

لا تنسى ان قنوات التوزيع تختصر على الشركة سلسلة الامدادSupply chain (سلسلة امداد المنتج من بداية تطويره لمرحلة بيعه)، كما انها اماكن لتخزين المنتجات، ووضع تشكيلات متنوعة من المنتجات المختلفة -Products Assortments  تبعد الملل والروتين عن عملية الشراء. لاتنسى ايضاً ان انها تحقق السيولة النقدية للشركات – cash liquidity  بشكل يسمح للشركة ان تركز على الانتاج والابداع والتسويق.

اليوم وضحت اهمية التوزيع، لكن الاهم هو كيف تبنى الشركة قناتها التوزيعية بكفاءة، وكيف تسيطر على حروب التوزيع الشرسة..  هذا ماتعرفه فى باقى السلسلة بإذن الله.



أسرار الاستهداف الناجح - 3 : أهداف الشركة و مواردها

0
بعد ان تقسّم الشركة السوق المستهدف لشرائح سوقية أصغر – Segments، يكون عليها المفاضلة والاختيار مابين هذه الشرائح السوقية التى تحيّرها والتى تختلف بعضها عن بعض فى الاحتياجات – Needs. عرفت فى التدوينة السابقة أيضاً ان هناك معايير لاختيار الشريحة السوقية الأنسب، و تحدثت عن معايير ترتبط بحجم السوق ومعدل نموه، و أخرى ترتبط بتركيبة السوق.

اليوم سأتكلم عن معيار ثالث وهام جداً وهو بخصوص موارد الشركة وأهدافها – Company’s Objectives and Resources..

تجد اليوم ان من اهم مايميز الشركات الفاشلة تسويقياً هو التشتت والعشوائية التى تريد ان تنمو فيها، بعدها عن التسويق جعلها تعمل طبقاً لمبادئ الانتاج والبيع القديمة، وبدون اى استراتيجية تسويقية متقنة، تجدها تقدم للسوق منتج، ثم تحاول بكل الطرق بيعه، اما التقسيم والاستهداف المتقن فلا تعيره انتباه تسويقى كافى.

ماهى المهمة – Mission التى قامت على أساسها الشركة؟ ما هى الاهداف الواضحة التى تريد تحقيقها؟ هذه الاسئلة التى اذا لم تجب عليها الشركة بوضوح فسوف ترى منها كمية هائلة من العشوائية والتخبط فى السوق.

هل تعلم لماذا ترى لنفس الشركة حملات اعلانية برسائل تسويقية مختلفة؟

هذا لأن الشركة ليس عندها اهداف واضحة تعمل من اجلها، والهدف عندما يكون واضح ينتج عنه استهداف متقن لشريحة سوقية معينة، و بعد الاستهداف الواضح الذى لن يتغير كثيراً مع الزمن (او مطلقاً احياناً)، يكون على الشركة تكوين صورة ذهنية قوية تناسب الشريحة المستهدفة.

الأهداف التى اتكلم عنها هذه المرة ليست اهداف تسويقية خالصة مثل الاهداف الشهيرة: الارباح، النصيب السوقى، نشر اسم المنتج. ولكن ما اتحدث عنه هنا مرحلة قبل هذه الاهداف، انى اتكلم عن الهدف الذى قامت من اجله الشركة، ماهى الاحتياجات والرغبات التى تود الشركة اشباعها.

قارن هذه العشوائية فى وضع الاهداف والثبات عليها، بشركة مثل سنيكرز – Snickers. شركة سنيكرز كان هدفها تقديم منتج يشبع الجوع... ببساطة.

عندما فهمت الشركة اهدافها ولماذا هى موجودة فى هذا السوق، تطور الامر معها لان تستهدف الشريحة المناسبة، انها تلك الشريحة من الشباب الذين يريدون مصدر للطاقة وسد الجوع، وبالتالى نتج عن هذا التفكير الاستراتيجي شيكولاتة غنية بالمواد التى تشبع الجوع وتعطى الطاقة الكافية للاستمرار، والقيام بالمجهود الضخم.
* راجع تدوينة الثبات على المبادئ التسويقية الجزء الأول - الجزء الثانى

اما بالنسبة لموارد الشركة - Resources ، فمن المنطقى والطبيعى ان الشركة التى تمتلك موارد قليلة سوف تذهب لشريحة اصغر او اقل تعقيداً من الشركة التى تمتلك موارد ضخمة.

فأنا مثلاً لو طورت منتج حسام كولا، ودخلت بها سوق المشروبات الغازية الشرس، بالطبع لن استطيع مجاراة بيبسى وكوكاكولا، و لن استطيع اللعب مع هذه الشركات فى نفس الملعب، او نفس الشريحة السوقية بمعنى ادق. عليّ إذاً ان استهدف شريحة اصغر من الشريحة الاكبر التى تستهدفها الشركتين الكبار، او الافضل هو استهداف شريحة اصغر بعيدة عن الشريحة التى يركزون عليها. فتكون مثلاً شريحة الاطفال وسأقدم لهم منتج صودا به عناصر صحية اكثر ربما لا تؤثر على عظام الاطفال وأسنانهم خصوصاً فى مرحلة النمو المهمة!

بالمناسبة فإنى ارى اهداف الشركة ومواردها ينبعوا من نفس المصدر، وبالتالى فهم معيار واحد. فالشركة التى تضع الاهداف تضعها فى الحقيقة بناء على الموارد المتاحة لديها، وهذا هو الصحيح فى علم الادارة اما الشركة التى تضع اهدافها بعيداً عن مواردها فهى شركة فاشلة ادارياً وتسويقياً.


انها تثبت وتلخص وجهة النظر هذه..

فيل نايت وضع اهدافه بإدخال الاحذية اليابانية القوية الى السوق الأمريكى، و بالتالى موارده وامكانياته تصب فى حيز الحذاء القوى التى يستمر لفترة كبيرة، ولأن الهدف واضح، وايضاً الموارد المتاحة التى صمم من خلالها هدفه كانت موجودة وواضحة ومتوفرة.

عندما دخلت ريبوك – Reebok بإحذيتها الانيقة الجذابة، بدأت نايكى فى التشتت والبعد عن اهدافها، وبالتالى عن مواردها القوية التى تميزت بها. كانت المعركة محسومة حينها ل ريبوك، لانها تعمل طبقاً لمواردها، وتسير فى اتجاه اهدافها. بعدها تعلم فيل نايت الدرس وعاد يعمل طبقاً لموارده واهدافه، فحذاء نايكى حتى اليوم يستهدف بشكل اساسى فئة الرياضيين الذين يحتاجون لاحذية قوية تستمر لفترة طويلة، حتى لو اتى ذلك على حساب الشكل الجمالى.

إذاً بناء على حجم السوق ونموّه، وتركيبته، وطبقاً لموارد الشركة واهدافها، تستطيع اى شركة فى العالم ان تستهدف الشريحة المناسبة، ويكون النتيجة استراتيجية تسويقية رائعة تسير عليها الشركة باطمئنان.


أسرار الاستهداف الناجح - 2 : حجم وتركيبة السوق

0
تعرفت فى التدوينة الاخيرة أهمية التقسيم والاستهداف، انه الامر الهام جداً لكى تسير على الطريق الصحيح من اجل اشباع احتياجات الناس، ولكن يبقى السؤال.. بعد ان تقسم السوق لشرائح سوقية أصغر، ما هى الفئة المستهدفة التى تختارها وتركّز جهودك عليها؟

بمعنى أدق، اذا قسمت اديداس سوقها لثلاث شرائح: شريحة السن من 10 الى 18 ومن 18 الى 30 و ما فوق ال30، يكون السؤال الآن هو.. ماهى الشرائح الأحق بالاختيار بالنسبة لاديداس، هل هناك معايير واضحة تختار على اساسها الشركات الشريحة السوقية - Segment المناسبة.

هناك بالفعل 3 عوامل اساسية وهامة جداً تعمل طبقاً لها الشركة لكى تختار الشريحة المناسبة، وهما حجم السوق ونموّه، و التركيبة السوقية ومدى تميزها، واخيراً موارد الشركة واهدافها.

نبدأ بحجم السوق – Market Size

يجب ان تختار الشركة الشرائح ذات الحجم الاكبر، وذات الطلب – demand الاكثر، لان هذا هو ما يضمن الارباح والمبيعات الكبيرة للشركات، وليس من مصلحة الشركة ان تختار شريحة سوقية الطلب فيها على المنتج قليل، وبالتالى سوف تعانى فى المبيعات، وذلك سيؤثر على الارباح، ومع الوقت سيؤثر على وجودها فى السوق والنجاح فيه.

هناك اساليب عديدة تعرف بها الشركة حجم السوق، واشهر هذه الوسائل ان تقيس حجم المبيعات التى تحققها الشركات فى القطاع الذى تجمّع المعلومات عنه. فمثلاً مرسيدس تريد ان تعرف كم عدد الشباب فى المانيا يشترى سيارات جديدة، فتجمّع معلومات عن الشباب الذى يشترى سنوياً سيارات جديدة، فاذا كان العدد كافى وكبير بالنسبة لها للانطلاق فى سوق الشباب وتقديم سيارات جديدة لهم، فستفعل ذلك.

كيف تعرف حجم المبيعات التى تحققها الشركة على شريحة سوقية محددة، او تعرف عموماً حجم الطلب من شريحة معينة هى مهمة الابحاث التسويقية – Marketing Research  (اذا لم تكفيك البيانات المتاحة – Secondary Data )، وقد تقوم بهذه المهمة الشركة نفسها او توكّل عنها او تستفيد من خدمات شركات متخصصة فى هذا المجال مثل العملاق نيلسن – Nielsen وهى واحدة من اكبر الشركات التى تقدم خدمات البحث.

ولكن هل حجم السوق يكفى؟ بالطبع لا. لان الحجم قد يكون خادع للشركة، ولا يستمر لفترة طويلة. ربما يكون هناك ظروف خاصة او اسباب محددة جعلت السوق يبدو كبير فى هذه الفترة الزمنية، فيجب ان تتأكد من حجم السوق الذى تستهدفه، وايضاً درجة نموه – Market Growth.

لتوضيح الامر سريعاً بمثال. اذا نظرت لسوق يستهلك المراوح – Fans، ستجده سوق شاسع. آلاف من المشترين وملايين هى عوائد البيع. ولكن هل هذا السوق جذّاب للشركة، خصوصاً لو شركة ذات موارد تسويقية كبيرة؟ بالطبع لا. لانه سوق يتناقص يومياً لصالح منتج جديد، هو التكييف –Air Conditioner . ولذلك ربما تعمل الشركة بكفاءة لفترة، ولكن لا تضمن البقاء كثيراً فى السوق، نظراً لانه سوق يتناقص باستمرار.

هل تويوتا - Toyota  عندما تدخل السوق الالمانى، وتقسّم السوق، سوف تستهدف شريحة المشترين ذوى الدخل المنخفض جداً؟ فى الاغلب لن تفعل، لانها شريحة صغيرة جداً فى المانيا ذات الاقتصاد القوى، وبالتالى لن تكون هذه شريحة مربحة، وليس هذا فقط بسبب انها شريحة صغيرة، ولكن كون المانيا من اكبر الاقتصاديات فى العالم، فمن المتوقع ان تقل شريحة الدخل المنخفض مع الوقت، وليس العكس هو ما يحدث، وبالتالى هى شريحة غير مرغوبة بالنسبة لتويوتا ، وفى الاغلب لن تستهدفها.

ماذا عن العامل الثانى الذى تضعه الشركات فى حسبانها اثناء عملية الاستهداف .. جاذبية التركيبة السوقية – Structural Attractiveness ..

التركيبة السوقية التى تجذب الشركات تجاه شريحة معينة هى التى تتميز ب بيئة داخلية صناعية – Microenvironment سهلة ويسرة على الشركة، ومن ضمن عناصر البيئة التى اتكلم عنها هنا: الموردين – Suppliers، و وسطاء البيع والتوزيع – Intermediaries ، و المنافسين – Competitors.

فمثلاً كلما كان السوق فيه موردين اكثر، كلمّا سهل ذلك على الشركة، لان قدرة الموردين على احتكار السوق او التحكم فى المواد الخام او الاسعار تكون محدودة، وتكون الخيارات افضل واكثر امام الشركة.

بالنسبة مثلاً للمنافسة، فالشركة التى تفهم تسويق جيداً لا تدخل اسواق بها منافسة شرسة، واذا دخلتها يجب عليها ان تمتلك ميزة تنافسية قوية للغاية، وذلك لان المنافسة الشرسة فى الاسواق تكون ضغط على الشركة، ولا يستفيد منها سوى المشترى، لان المنافسة الشرسة عموماً تُدخل الشركة فى دائرة حروب الاسعار – Price wars حيث يكون هناك عدد كبير من الشركات، بمزايا تنافسية ضعيفة او غير واضحة، فتبدأ الشركات فى جذب المشترين وتحقيق مبيعات عن طريق خفض الاسعار، وبالتالى السوق الذى يمتلئ بالمنافسين هو سوق غير مرغوب للشركة.

يجب ان تستوعب الشركة فكر الابتعاد عن المنافسة الشرسة. لا اقول هنا ان تعمل فى سوق منفردة، لان هذا صعب جداً، ولكن ان تعمل فى سوق بها منافسة اقل، مع مزايا تنافسية قوية تميزك عن المنافسين فيه، ويمكن ان تفهم المنافسة من خلال طرق واساليب تسويقية عديدة منها مثلاً تطوير الخرائط الذهنية – Positioning Maps ، وفى هذا النوع من الخرائط يتم وضع المنافسين الذى يعملون فى سوق واحد، و ووضع الشركة على الخريطة طبقاً للفوائد –Benefits التى يقدمها المنتج او الشركة، مقارنة مع السعر، ثم تضع الشركة وحجمها على الخريطة طبقاً لما تحققه من مبيعات ومن نصيب سوقى – Market Share.

على العموم هذان العاملان – حجم السوق ودرجة نموه، ومدى جاذبية التركيبة السوقية، لن تستفيد بهم الشركة الا بفهم العامل الثالث، و هو ماتراه فى التدوينة المقبلة بإذن الله.


أسرار الاستهداف الناجح - 1 : لماذا التقسيم والاستهداف؟

0
ستظل جزئية وضع الاستراتيجية التسويقية – Marketing Strategy من أكثر الأجزاء متعة و أهمية فى التسويق، ان الاستراتيجية تشمل تقسيمك للسوق، واستهدافك لشريحة مربحة، وتكوين صورة ذهنية ثابتة كالجبل فى اذهان المشترين – Positioning.

سريعاً سأخبرك بأهمية التقسيم – Segmentation   و الاستهداف – Targeting  ..

اذا اردت الدخول الى عالم الاعمال بمنتج او خدمة، لماذا عليك ان تقسّم سوقك الى شرائح سوقية اصغر، ثم تستهدف كل شريحة سوقية من هذه الشرائح بالمزيج التسويقى – Marketing Mix الذى يناسبها؟ لماذا لا تفعل مثل الكثير من الشركات، التى لا تعبأ كثيراً بالتسويق، وتجدها تقدم خدمة او منتج يخاطب الجميع بنفس الرسالة التسويقية.

أولاً يجب ان تعلم جيداً ان من اهم المصطلحات التسويقية فى عالم اليوم مصطلح الحاجات – Needs، لدرجة أؤكد لك فيها، ان الفارق الاساسى بين التسويق فى العصر القديم، وبين التسويق الحديث، هو اشباع الاحتياجات. لن تجد افضل من يؤكد ذلك من كوتلر نفسه عندما اخبرنا ان التسويق الحديث يتعلق باشباع احتياجات الناس بشكل مربح – Satisfying Customer Needs .

ان هذا التعريف او الاتجاه فى فهم التسويق قد غيّر كل شئ. لقد غيّر فكر الشركات القاصر على تقديم، بل إقحام، منتجات وخدمات الى الاسواق، ثم البحث على اقدر الاشخاص لبيع هذه المنتجات. ان الامر اليوم تغير ليبدأ التسويق مبكراً جداً. انه يبحث عن احتياجات الناس، ثم يطور منتجات تشبع هذه الاحتياجات. 

الآن يأتى السؤال المهم.. هل احتياجات الناس فى الاسواق كلها متشابهة او متطابقة؟ هل احتياجات الموظف كاحتياجات ربة البيت، كإحتياجات طالب الجامعة او تلميذ المدرسة؟ لو كان الامر كذلك فسوف نقدم نفس المنتج ونفس المزيج التسويق للجميع بدون اى تفرقة، ولن يكون هناك ادنى داعى للتقسيم. لكن الواقع يقول ان شرائح المجتمع المختلفة لديها اختلافات فى احتياجاتها. بالطبع هذه الاختلافات تعود فى المقام الاول لطبيعة المنتج او الخدمة نفسها.

معنى ذلك انك تقسّم السوق لانك مقتنع بان احتياجات السوق هى ماتحرك الشركة، وبالتالى انك تقسم السوق، لكى تستهدف كل شريحة بمزيج تسويقى مختلف يشبع احتياجاتها المختلفة. هذا سوف يحقق نجاح تسويقى كبير لانك تشبع احتياجات المشترين بشكل افضل كثيراً.

سأعطيك مثال سريع..

شركة اديداس – Adidas من أشهر الشركات التى تطبق التسويق فى شكله العبقرى، وتقدم منتجات رياضية، وهى معروفة بالاحذية الرياضية على وجه الخصوص.

عندما بدأت الشركة كانت تركّز بشكل كبير على شريحة الرجال، اى انها قسّمت سوقها الى رجال ونساء، ولأن الشريحتين السوقتين لديهم احتياجاتهم المختلفة، فكان عليها ان تقرر اما شريحة الرجال او شريحة النساء (بافتراض انه لا يوجد اى اختلاف بين الرجال والنساء بالنسبة للاحذية الرياضية فلن يكون هناك داعى للتقسيم).

وجدت اديداس ان الافضل لها استهداف شريحة الرجال. اما عن كيفية معرفة (الافضل) لها، فهذا هو سبب كتابتى هذه السلسلة القصيرة، وهذا ما سأتحدث عنه بدقة فى المرة القادمة.

المهم ان اديداس اكتفت بشريحة واحدة من الشرائح بعد التقسيم، وشريحة الرجال هذه كانت الشريحة المستهدفة وذلك طبقاً لما يعرف ب  إستراتيجية التركيز – Concentrated Marketing .

مع الوقت بدأت تدخل اديداس فى استراتيجية اخرى هى الاستهداف لشرائح مختلفة – Differentiated Marketing، عندما بدأت تطور منتجات واحذية رياضية خاصة بشريحة النساء.

لأن اديداس، مثلها مثل اى شركة محترفة تسويقياً، فهى لم تطور منتجات واحذية رياضية تشبع احتياجات الشريحتين فى وقت واحد. ولكنها ركزّت فى تطويرها لمزيجها التسويقى على شريحة واحدة، و وضعت كل جهدها لاشباع احتياجات هذه الشريحة، فنجحت فى ذلك، وبعد هذا النجاح بدأت فى استهداف شريحة سوقية اخرى بمزيج تسويقى مختلف، وذلك لكى تشبع احتياجاته بدرجة متقنة.

اتفقنا اذن على ان الشركة سوف تطور مزيج تسويقى (منتج – سعر – توزيع - دعاية) مختلف لكل شريحة، ولكى يزيد اقتناعك سوف اعطى لك مثال اخير.

ماذا يحدث عندما يكلم شخص هندى بلغته الهندية شخص مغربى ؟! هل تعتقد ان رسالته ستصل؟ بالطبع لا.

ماذا يحدث اذا تكلم شخص من القرن السابع عشر مع شخص من القرن الحالى؟ هل سيكون من السهولة ان يتفاهموا فيما بينهم؟ كيف وقد خرجت علينا العديد من المصطلحات والالفاظ الجديدة التى تتطورت مع الزمن، بالطبع لن يفهمها هذا الرجل من العصر الفائت.

اريدك الآن ان تراجع هذه الحالة الانجليزية الرائعة..

هل تعلم ماذا حدث هنا؟

لقد عاملت الحكومة الانجليزية الجميع بنفس الطريقة وبنفس الاسلوب وبنفس اللغة، وهذا خطأ فادح تقع فيه الكثير من الشركات اليوم. ولكن عندما ادركت الخطأ، بدأت فى تقسيم سوقها، وبدأت فى تطوير رسالة دعائية مختلفة وخاصة جداً لفئة الشباب، بدأت تتحدث لغتهم، وبالتالى كانت الرسالة اقرب لهذه الفئة، وتم فهمها والتفاعل معها بسهولة اكبر.

لو اقتنعت بمنطق تقسيم السوق لكى تعامل كل شريحة فيها التعامل الذى يناسبها وتطوّر لها مزيجها التسويقى الخاص، ف ماهى اذن الشريحة السوقية التى عليك اختيارها؟ بمعنى آخر.. عندما ارادت اديداس ان تستهدف شريحة الرجال.. هل كان الامر عشوائى؟! هذا ما ستعرفه فى التدوينة القادمة.


جميع الحقوق محفوظه © التسويق اليوم

تصميم الورشه