كيف فعلتها آبل

2
هل رأيت أي منتج في العالم صاحبته مثل هذه الضجة التي صاحبت آيفون 7 في الأيام الأخيرة؟ ضجة على هيئة أخبار حصرية وتسريبات لصور ومزايا المنتج وتحليلات ونكات على سعر الهاتف او تعليقات على امكانياته. ربما يكون هذا الأمر حصرى على بعض الشركات المعدودة في العالم، وطبعاً في مقدمتهم آبل.

كيف فعلتها آبل؟

في هذه المقالة أريد أن أسرد لك بعض الأسرار والفنيات التي اتبعتها آبل منذ نشأتها ومروراً بفترة النضج والازدهار في أعقاب انتاج ipod – iphone وصولاً إلى الآن، حيث السمعة الراسخة كالجبال في عقول المشترين والناس عموماً في العالم كله.

ستيف يخلق الحاجة لا يُشبعها.

دعونا نبدأ من هذه النقطة. لن ندخل في الجدال الفلسفى الذى يقارن بين كلمتى خلق او ابتكار الحاجة – creating need، وبين تحفيز وإظهار حاجة موجودة بالفعل، لأن الفرق و الجدال لن يفيد في شيء هنا، لكن دعونا نركّز على الأهم. ستيف جوبز له مقولة مشهورة مفادها أنه ما الفائدة من إعطاء المشترين ما يحتاجون، سوف يملّون، يجب إعطائهم أشياء جديدة.

هذه مرحلة أعلى بكثير وأكثر تعقيداً من كل مراحل التسويق التقليدية، لأن أنسب طريقة تسويقية أو دعنا نقول الطريقة ذات نسبة النجاح الأعلى هي أن تبحث عن حاجة – need  في السوق غير مُشبَعة وتقوم أنت بإشباعها. هذا سهل نسبياً. صحيح؟ لكن الأصعب منه أن تقوم أنت بابتكار منتج لا يوجد حاجة له في السوق، ثم تبتكر الحاجة أو تحفّزها. مثل المناديل الورقية بعد أن كان يستخدم الناس المناديل القماش، ومثل الموبايل بعد استخدام الهاتف التقليدي، و مثل Ipod بعد أن كان الناس يستعملون مشغلاّت الموسيقى التقليدية.


كم شركة في العالم تستطيع أن تغامر بطرح منتجات جديدة في السوق وتصبر عليها، وتتوقع الفشل بنسبة كبيرة لكنها تغامر بل وتقامر أحياناً في سبيل الحصول على (وشّ) الكعكة! الموضوع لا يحتاج فقط إلى صبر بل يحتاج أيضاً إلى موارد مالية ضخمة جداً، سوف تحتاجها بشكل رئيسى مرتين، مرة وأنت تطور المنتج الجديد في أقسام البحث والتطوير – R&D، ومرة أخرى أثناء عملك في السوق وإنفاقك على الموظفين والأدوات والتكنولوجيا المستخدمة والترويج والاعلانات، وعليك أن تصبر ولا تتوقع أرباح إلا بعد حين، بعد أن تُقنع السوق بما تملك، وتحفز لديهم الحاجة للشراء.

آبل صبرت. كانت نتيجة صبر آبل أن أصبح لديها جيش من المتعصبين لها، المحبين لابتكارتها الجديدة، هذا الجيش الصغير ربما كان قادر على ان يكوّن جيش أكبر، جيش أكبر تأثر بحكايات هذا الجيش الصغير الذى كبر مع آبل وكبر مع اختراعاتها وابتكارتها، لا تنسى ان هذا الجيش الصغير الذى بدأ مع آبل يُسمى early adopters وهم مُتبنّى المنتجات الجديدة، وهم عددهم قليل فعلاً، لكن قوتهم كبيرة، لأنهم في النهاية opinion leaders، أصحاب الرأي أو زعماء المجموعات هؤلاء قادرين على تحريك المجموعات والأفراد من حولهم، لأنهم أصحاب نفوذ كبير، مثال بسيط لتفهم هذه الفئة، هل تعرف صديقك الذى يحب تجربة الأشياء الجديدة وينشرها ويحكى عنها وعن تجاربه معه، وله قوة وسيطرة على أفكار الآخرين؟ نعم هذا ما أقصده، وهؤلاء الجيش الذى بدأت به آبل.

سامسونج في مقابل آبل.

نعود مرة أخرى لحرب سامسونج-آبل. هل لديك شك في قوة سامسونج وعبقريتها، وقدرتها على اختراق حتى أصعب الأسواق وفى أقصى الظروف؟ بالتأكيد لا، سامسونج تقدّم كل ما يحتاجه السوق، تقوم بسد كل الثغرات الممكنة – niches، والنتيجة هي الاستحواذ على سوق ضخم جداً. لكن آبل لديها رأى آخر واستراتيجية أخرى.

لقد بَنَت آبل استراتيجيتها على مبدأين: 1- أنا أعرف الأفضل لك. 2- أنا لا أُقارَن.

-         أنا أعرف الأفضل:
آبل لا تفعل ولن تفعل مثل سامسونج. سامسونج رسالتها في السوق تقول لك.. أنت احتياجاتك متعددة ولديك ميزانية محددة، وانا سأنتج لك كل الأشكال والألوان وأنت اختر ماتشاء طبقاً لظروفك. أما آبل فلن تضع نفسها أبداً في هذا القالب، آبل كل سنة أو أكثر تُخرج منتج إلى السوق وتقول فيما معناه أن هذا المنتج هو الأفضل وأنا أعرف مصلحتك جيداً، هذا المنتج رائع وسوف يُغيّر حياتك للأفضل، وأنت لأنك تثق في اسم الشركة فتثق في هذه الرسالة الجديدة، وتقتنع بالمبدأ، ويكون الفيصل بينك وبين شراء المنتج هو السعر غالباً، واستراتيجية التسعير لآبل تختلف من بلد لبلد وهذا موضوع آخر يطول شرحه.

-         أنا لا أُقارَن:
هذه نقطة أخرى مثيرة جداً للاهتمام. سامسونج منذ أن اقتحمت سوق الهواتف المحمولة وحصلت على نصيب سوق كبير منه، وهى تحارب لتُثبت أنها الأفضل، وفعلت ذلك بشكل كبير، لكنها وقفت عند آبل ولم تستطع أبداً التحرك بعد هذه النقطة.
سامسونج في كثير جداً من إعلاناتها تُقحم آبل بشكل غريب في الإعلان أحياناً بشكل ضمنى وأحياناً بشكل واضح وصريح. شاهد هذا الفيديو لتتأكد.


هذا إعلان لشاحن wireless انتجته سامسونج، والطبيعى أنها تريك كيف يتم استخدامه بسهولة وببساطة مع هواتف سامسونج المختلفة، ثم في الثانية 9 تجد موبايل آيفون ظهر فجأة ليريك كيف أنه لا يستمتع بميزة سامسونج الذى يتم شحنه بهذا الشاحن الجديد! يكفى أن تدخل موقع يوتيوب وتبحث عن كلمتى Samsung Apple  مع بعضهم البعض لتظهر لك نتائج تلك الحرب التي أرادت سامسونج دخولها، الكثير من الإعلانات والفيديوهات التي تُظهر سامسونج وهى تسخر من آبل وتستفذها لدخول حرب المقارنة.

استراتيجية آبل كانت أكثر من عبقرية لأنها لم تنجرّ إلى خدعة سامسونج. دعنى أوضح لك الأمر.

هل تستطيع مقارنة سيارة لادا بسيارة مرسيدس؟ لا تستطيع. صحيح؟ هل تستطيع مقارنة مُحمد على بملاكم هاوى؟ لا تستطيع. وهكذا لن تستطيع أن تقارن بين شخصين أو شئين في غاية البُعد عن بعضهم لأنك لو دخلت إلى هذه المقارنة، سوف يتبادر لذهن الناس الذى يرون المقارنة أن الشيئين قريبان من بعضهم ولذلك نقارن بينهم، آبل فهمت هذا ولذلك لم تدخل أبداً ولن تدخل تلك الحرب مع سامسونج مهما كانت الاستفزازات و مهما بلغت قوتها.

هذه نقطة ليست بسيطة كما قد يعتقد البعض لأن سامسونج لو نجحت في إدخال آبل في هذه الحرب التنافسية فسيبدأ الناس المقارنة، وربما تكسب سامسونج لأنها لديها الإمكانيات الفنية للوصول إلى مستوى مقارب لمستوى آبل، وهنا تتحول الحرب لشئ آخر تماماً، أفضّل تسميته حرب benefits – price ، بمعنى أن المشترين يبدأون في المقارنة ما بين منتج سامسونج ومنتج آبل بناءً على أهم عناصر من عناصر المقارنة وهم المزايا التي تحصل عليها من المنتج مقابل السعر الذى تدفعه. لكن آبل لم تفعل ذلك.

آبل لم ولن تغامر بالدخول أبداً في هذه الحرب لأن الهيمنة التي تحققها هي تحققها لسبب رئيس وهو أنها ثابتة وراسخة في عقول شريحة من المشترين يُعدّون من أكثر الناس ولاء لمنتج أو خدمة أو علامة تجارية في العالم، ربما تضعهم في تصنيف أعلى من محبّى هارلى ديفيدسون مثلاً أو فيرارى.

الصور – Images.

هذا الجزء هو نفسى بحت، مثله في التسويق مثل جزء الإعلانات التذكيرية – reminder advertising  التي تقوم بها الشركات الكبرى مثل بيبسى – كوكا كولا – مرسيدس – سنيكرز - .. الى آخره. أنت ربما ترى أن الإعلان ليس له أهمية لأن كل الناس يعرفون بيبسى مثلاً، لكن هذه الإعلانات هي ما تبنى صور ذهنية قوية في عقول المشترين وتؤثر بشكل كبير في قراراتهم الشرائية. لا يوجد هنا مجال لشرح كيف يحدث الأمر فعلياً، لكن دعونا نتفق أن الصور التى تقوم بصنعها الشركات أيضاً لها دور كبير في تكوين العلامات التجارية والصور الذهنية وهذا ما فعلته آبل. هل تريد الحقيقة؟ هذا ما فعله ستيف جوبز لأكون أكثر وضوح.

ستيف جوبز كان مُغرم بالصور، وكان يرى فيها السبيل لكى يقوّى العلامة التجارية لآبل. آبل الشركة الوحيدة في مجال البرمجيات والتكنولوجيا وسط الشركات المشابهة التي تضع اللوجو في شكل صورة وليس حروف، لاحظ لوجو مايكروسوفت مثلاً، أو شركة IBM.


تعوّد وعوّد ستيف جوبز جمهوره على ملابس محددة، أسود على بنطلون جينز وحذاء أبيض، يحضر به كل المناسبات، كانت هذه طريقته المفضلة مثلاً في تكوين صورة ذهنية محددة عنه. كل هذا العمل على تكوين الصور الذهنية هو ما بنى ستيف جوبز وآبل في عقول الناس، طبعاً بجانب العبقرية في كل شيء بدءاً من تصميم المنتجات انتهاء بالترويج والاعلان.




سأخبرك مثلاً بنقطة أخرى ساعدت فيها الصور. هل مررت مرة في الشارع فرأيت تاكسى أو مواصلة عامة تضع تفاحة آبل على سطح السيارة. هل دخلت مرة إلى متجر أو مكتب يعمل في تصليح الأدوات الالكترونية او الموبايلات وأجهزة الكمبيوتر ووجدته يضع لوجو آبل على الكارت الشخصى لصاحب المكان؟ هل رأيت أحدهم يضع تفاحة آبل كخلفية على جهاز كمبيوتر شخصى له؟ هؤلاء في الغالب لم يشتروا منتجات آبل، والكثير منهم لا يعرف من آبل سوى إسمها وشكل التفاحة الأشهر لها، لكن الصورة نفسها ساعدت على نشر آبل كعلامة تجارية قوية جداً، هل تخيلت الآن فكرة وقوة استخدام الصور في بناء البراند؟

كيف تروّج آبل؟

آبل تقوم بتطوير إعلانات، وعروض تشويقية – teasers لمنتجاتها لكن بالطبع ليس هذا ما نشر آبل في العالم وما كان ليفعل. آبل انتشرت عن طريق الناس (word-of-mouth) وعن طريق العلاقات العامة – PR، والعلاقات العامة هي أفضل أداة لدينا في التسويق لُصنع وبناء الثقة والمصداقية.

تجد كثيراً في الأفلام والبرامج المشاهير يستخدمون آبل. هل يفعلون ذلك لأنهم يفتخرون بوجود لوجو آبل على منتجاتهم وهذه علامة تجارية أجمل وأكثر قوة من العلامات التجارية الأخرى التي ربما لا يودّون ظهورها على الشاشة؟ هل دفعت لهم آبل في مقابل ذلك كما تفعل أكبر الشركات في العالم، وهو ما نسميه التسويق الضمنى – undercover marketing؟ في الغالب لن نستطيع أن نجيب إجابة دقيقة في كل المرات وهذه هو قوة آبل حتى في ظهورها في وسط المشاهير. أنت لا تعرف إذا كانت آبل تدفع لهم المال لظهور براند آبل، أم هم من يفعلون ذلك طواعية وحب في آبل.

أريدك أن ترى هذه الصورة، هل رأيتها من قبل؟



هنا توتى وهو الغنى عن التعريف، توتى هو لاعب تاريخى في فريق روما الإيطالى وهو معشوق الجماهير هناك، في مباراة لروما وبعد تسجيله لهدف، قام بالاحتفال مع الجماهير عن طريق أخذ سيلفى له، خمّن نوع الهاتف. نعم.. آيفون 6 عند ظهوره في السوق. هل فعلها بالاتفاق مع آبل؟ هل فعلها حباً في آبل؟ هل فعلها فقط لأنه يملك موبايل آيفون، أو أحدهم أعطاه هذا الهاتف لأنه كان متاح حينها فقط؟ لا نعرف. فقط نعرف أن ملك روما – كما يُطلقون عليه – فعل تلك الحركة التاريخية بهاتف آيفون 6. يا لها من دعاية!

أنت غالباً وبدون قراءة هذه المقالة سوف تكون من الناس في العالم الذين عرفوا عن منتج جديد لشركة آبل اسمه آيفون 7، لكن هل عرفت ذلك عن طريق إعلان؟ بالطبع لا. عرفته عن طريق أساليب كثيرة تستخدمها الشركات الكبرى ويستخدمها المشاهير. مثل التسريبات – leaks، بمعنى أن تجد أحدهم يخبرك على فيسبوك أن لديه بعض اللقطات عن موبايل آبل الجديد، وهنا يبدأ يشعر المحيطين بهذه التسريبة أنهم أمام كنز حقيقى فيبدأون في نشر الصور، أو أن التسريبات تكون في شكل معرفة - او الاقتراب من معرفة - سعر آيفون 7 فيبدأ الحديث وتبدأ النكت، ويبدأ الجدال والمناقشة بين الناس، هل يستحق آيفون هذا السعر أم لا، ثم يظهر المدافعون والمتعصبون لآبل، وهكذا تبدأ حرب طاحنة تكسب فيها آبل انتشار خبر وجود المنتج الجديد وسط الناس.





هل آبل وهم؟


من حق الناس أن تسأل هذا السؤال. هل آبل شركة عادية لكنها بَنَت نفسها عن طريق الصور، وعن طريق البراند القوى، وكوّنت حولها فقّاعة هواء كبيرة وهى تملك حجم بالفعل أقل كثيراً مما تبدو عليه؟

الbranding قادر فعلاً على فعل ذلك، أن يكون لك حجم معين، وعن طريق تكوين إسم قوى في السوق، يصبح هذا الحجم أكبر بكثير مما أنت عليه في الحقيقة، هنا تستطيع أن تُظهر نفسك أقوى، وتُخفى أو على الأقل تُدارى عيوبك، وتُزيد كثيراً من سعرك. لكنى مازالت أرى أن آبل عباقرة، هم انفقوا الكثير في تطوير المنتجات، صبروا كثيراً في التسعينات على قلة العائدات من هذا الجيش الصغير المُتعصّب، وجنوا نتيجة صبرهم في الألفينات مع ظهور Ipod، و Iphone، وهم خططّوا ببراعة لبناء صورة ذهنية عبقرية وبراند قوى عن طريق استراتيجية الفخامة التي اتبعوها ونفذّوها بشكل أكثر من رائع. يمكنك التعرف على تلك التكتيات الرائعة من خلال هذه المقالة.

عندما تعمل بشكل صحيح في السوق، عندما تقّوى علامتك التجارية، عندما تستمر في تطوير منتجك لكى يتناسب مع الصورة الذهنية التي تريد تكوينها، حينها تستطيع أن تحصل على النجاح. هذا ما فعلته آبل. هل تعرف ماهى الميزة الحقيقة التي تتمتع بها شركة آبل الآن؟


الميزة الحقيقية أن آبل صعب جداً أن تسقط، حتى لو ظهرت عيوب في منتجاتها، حتى لو ظهرت حملات مقاطعة ضدها، ببساطة لأن من بنى آبل هم العملاء المتعصبين لها، بالتالى هذه النوعية تظل مع الشركة فى أي ظروف، وذلك عكس المنتجات التي تنجح عن طريق موديل Benefits – Price، مثل سامسونج، والتي حتماً مُعرضّة للسقوط في أي وقت عند دخول منافسين جُدد يملكون مزايا أكبر وأسعار أفضل. لكن هل يحدث هذا مع آبل؟ صعب جداً. لأن آبل تحارب بشكل مختلف و صحيح وأحياناً عبقرى و لذلك تفوز.

لو محتاج تحترف التسويق بشكل عملى احجز مكانك فى كورسات ودبلومات التسويق المُصممّة لك:

التعليقات

  1. فعلتها أبل عن طريق تكوين جيش من العملاء المتعصبين لمنتجاتها

    مقال جميل .. أشكرك

    ردحذف
  2. استراتيجية التسريبات تتبعها شركات اشرطة البلاستيشن وارى انها ناجحة فعلاً

    شكرا لك مقال رائع ومفيد .

    ردحذف

جميع الحقوق محفوظه © التسويق اليوم

تصميم الورشه