بناء أم إهمال العلامة التجارية؟؟

1
 من خلال عملى فى أكثر من شركة بعد تخرجى، وبعد أن كنت مزود بطاقة تسويقية هائلة، لاحظت شيئاً عجيباً فى شركتين أثارا إحباطى الشديد حينها.

كانت هذه الشركات تحقق ملايين، وعلى الرغم من ذلك لا تحمل علامة تجارية مميزة أو معروفة جداً، أما الأدهى والأمر أن قسم التسويق كان يقوم فيها على فرد فى كثير من الأحوال، أو مجموعة من الأفراد أحياناً، وهؤلاء الأفراد لا يجمعهم إطار تسويقى واضح ومحدد ومنطقى، أحسست حينها أن التسويق (حاجة فوق البيعة)!

ما أصبح يلفت نظرى أكثر فى هذا الموضوع، هو أن هذه الشركات تأخذ منطق فى التفكير، يقول أنه لا فائدة تُرجى من تكوين وتمييز علامة تجارية فى السوق، وهم بذلك يركزون على حاجات العملاء بشكل أساسى.

دائماً، ولا أدرى كيف..، التسويق متهم بأنه (يضيع)أموال الشركة، وعندما تسمع كلام المدافعين عن هذا المنطق، تجده منطق وجيه حيث أن الشركة تقوم ببحوث تسويقية أحياناً تُقدر تكلفتها بالآلاف، وأحياناً بالملايين، ثم يكون العائد أن الشركة تفاجأ من العميل بنتائج غير تلك اللى وجدوها فى البحوث التسويقية.

وأما الجانب الآخر المتهم فى التسويق بإضاعة أموال الشركات هو الإعلان، فهو مكلف للغاية على الشركات، فى حين أن هذه الشركات لا تستطيع فى أغلب الأوقات أن تقيس العائد من هذه الإعلانات المكلفة.

ردى المبدأى ببساطة على هاتين النقطتين أن : ليس معنى أن البحث التسويقى فشل مرة أنه سيفشل كل مرة، هذا غير أن الشركة هى المتحكم الأول فى فشله عندما تنفذ بحث تسويقى بشكل خاطئ.

أما نقطة الإعلانات فهذا ينتج (بكل تأكيد) من عدم فهم هذه الشركات التى لم تدرس من الأساس التسويق وفنون كتابة وصياغة الإعلانات، وبصراحة .. إذا كانت أغلب هذه الشركات تدرس حملاتها الإعلانية جيداً قبل تنفيذها، لما وجدنا هذه الإعلانات العتيقة المملة التى نطالعها كل يوم فى التلفزيون والردايو وعلى أسطح العمارات وغيرها من وسائل الإعلان (لا أتكلم عن الاستثناءات).

أعود للنقطة الأساسية..، وهى إتجاه كثير من الشركات الآن لفكرة إهمال بناء العلامة التجارية، والتركيز فقط على إشباع حاجات العميل، ولكن هل تخيلتم نتيجة هذا التفكير؟؟

سيؤدى الأمر لما تحدثت عنه فى البداية، شركة تقوم فيها إدارة التسويق على فرد أو فردين، لأن النتيجة المنطقية ستكون تركيز الشركة فى النقاط الأكثر حيوية فى التسويق، مثل قنوات التوزيع مع تنفيذ أفكار التسويق المباشر، والبيع الشخصى، وسيأتى الوقت لإهمال طرق أصيلة فى التسويق، وأولها الإعلان.

فى هذه الفترة العاصفة التى نعيشها، مع التنافس الشرس بين الشركات، والأزمات المالية الطاحنة التى تمر بها كبرى الشركات العالمية، نجد أن هذا الأسلوب فى إدارة التسويق والمنظمات بشكل عام ربما يحفظ تكاليف هائلة ووقت للشركات، وسيجعل الشركات متجهة مباشرة للعميل واحتياجاته، ومع الأزمات الاقتصادية سنجد عميل الأمس الذى كان يتجه إلى الإسم والعلامة التجارية المميزة (التى صنعها أصحابها على مر السنين)، نجده الآن يتجه إلى المنتج الذى يشبع رغباته واحتياجاته، بصرف النظر عن اسمه أو خبرته فى السوق.

هناك نقطة فى غاية الخطورة والأهمية فى حياة التسويق اليوم وهى ..

فى الماضى كانت الشركة تبنى إسماً من خلال الإعلانات المستمرة، لأنها تعلم أن المشترى سيعلم عن منتجها من خلال هذه الإعلانات، ثم يذهب إلى منافذ البيع الخاصة به ليسأل عنه ويشتريه، وكان يحدث ذلك قبل انتشار الأسواق العملاقة - Hyper Market.

فى الهايبر ماركت يدخل المشترى، و (فى ظل منافسة شرسة بين الشركات والمنتجين) يجد أمامه تنويعات هائلة لمنتجات كلها تشبع احتياجاته، ولا يفصل بينها أحياناً غير اختلافات بسيطة مثل السعر، أو لنسميه العرض.

 لأن فكرة الهايبر ماركت قائمة على توفير كميات عملاقة من كل السلع والمنتجات فى مكان واحد، وإعتماداً على فكرة اقتصاديات الحجم (عند بيعها أكثر، تربح أكثر)، ومع الاتفاقيات المستمرة بين هذه الأسواق العملاقة والشركات المنتجة على تقديم عروض وتخفيضات على المنتج، تجد السلع أصبحت متوفرة بشكل أكبر، وبأسعار أفضل، وهنا تأتى النقطة الرئيسية فى الموضوع، حيث نجد المشترى الآن يدخل فيفاضل بين المنتجات ويختار الأنسب، حسب معاييره الخاصة، على عكس من 20 سنة عندما كان يذهب هو ليبحث عن المنتج الذى رأى علامته التجارية فى الطريق، أو رأها فى التلفاز.
عموماً هذا المنطق الجديد نجده الآن فى حياتنا، بعد أن كنت أراه فقط فى الشركات العائلية (القائمة على أفراد)، والشركات القائمة على البيع لشركات (B2B).

الآن .. ومع استيقاظ العملاق الصينى، وجدنا هذا المنطق يغزو التسويق كل يوم، فأشاهد الآن سيارات صينية، توفر احتياجات العميل بالسعر (المناسب) له، وربما أحياناً على حساب عوامل أخرى، مثل درجة الأمان والجودة، مع إهمال كلى وجزئى لمّا (يُدعى) فكرة العلامة التجارية، لدرجة أنى أتسائل أحياناً من باب السخرية من هذه العلامات التجارية العجيبة، هل لم يكن لدى هذه الشركات الوقت لرسم علامة تجارية للسيارة تكون على الأقل شكلها (مقبول)..!

على العموم حتى لا أطيل، وحتى مع وجاهة هذا التفكير والمنطق فى إهمال فكرة العلامة التجارية و تدعيمها باستمرار، يظل رأيى أن العلامة التجارية هى شئ أساسى لنجاح أى شركة فى العالم، وأن العلامة التجارية هى عنوانها.

وحتى مع (التحجج) بنظرية الأزمة الإقتصادية، فإن التجربة أثبتت فى الفترة الأخيرة أن الشركات التى نجحت فى تخطى الأزمة ليست هى الشركات التى وفرت فى تكاليف التسويق والإعلان، بل على العكس، فإن الشركات التى فهمت ما هو التسويق وقيمة الدعاية والإعلان، هى التى تخطت الأزمة بنجاح، وحافظت على عملائها.

وهل تتوقع أن شركة مثل آبل (Apple) لو لم تبنى علامة مميزة على مر الزمن، وتبنى لها قاعدة من مدمنى التفاحة الشهيرة (شعار الشركة)، هل كانت ستمرّ حية عبر هذه الأزمات الطاحنة، والمنافسة الشرسة من كبرى شركات البرمجة والسوفت ووير فى العالم؟؟

وفى النهاية يبقى التسويق علم يتطوع حسب الظروف، وأروع ميزة به هى مرونته وقدرته على التأقلم، لذا فإن كنت تنوى أن تكون من خبراء التسويق، فاقرأ المقالة ثم اتخذ قراراً بالاعتماد على طريقك التسويقى الفريد.

التعليقات

  1. People will forget what you say
    People will forget what you did
    People will NOT forget what you make them feel.

    Branding...Branding...Branding

    ردحذف

جميع الحقوق محفوظه © التسويق اليوم

تصميم الورشه